Top

استكشاف الإمكانات الميكروبية: من المملكة إلى آفاق الفضاء

من ربوع الصحاري السعودية إلى تخوم المجرة، يرسم البروفيسور ألكسندر روسادو من قلب جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) ملامح المستقبل؛ مستفيداً من تعاونٍ عابر للقارات مع وكالات الفضاء العالمية، ليبحث في خبايا الميكروبات القادرة على العيش في أقسى الظروف البيئية، ويحول بيئة المملكة الفريدة إلى مختبرٍ عالمي لاستدامة الحياة على الأرض وفي الفضاء. 

ويؤكد عالم البيئة الميكروبية وأستاذ العلوم البيولوجية في كاوست، البروفيسور روسادو أن الجامعة تمثّل منصة انطلاق نحو آفاق جديدة من المعرفة، ويقول "كاوست مكان مذهل للعمل، فهي تقدم دعماً مستمراً لأبحاثي، وهي الحاضنة التي تُحيل أفكاري إلى واقع ملموس". 

نشأ روسادو في البرازيل، وكان "شديد الفضول" تجاه الطبيعة، حيث بدأ دراسة الحشرات وإجراء التجارب منذ سن السابعة. قادته مسيرته للحصول على درجة البكالوريوس في علم الأحياء من جامعة ريو دي جانيرو الاتحادية، وهناك وقع في حب علم الأحياء الدقيقة. يتذكر قائلاً "منذ المحاضرة الأولى، أدركت أن الميكروبات ليست مجرد تفاصيل غير مرئية في الحياة، بل هي لاعب أساسي في كيفية عمل كوكبنا". 

بدأ روسادو العمل في مجال المعالجة الحيوية، بعد حصوله على الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة ريو دي جانيرو الاتحادية، ومن جامعة فاخينينغن الهولندية، حيث حدد الميكروبات القادرة على تنظيف التسربات النفطية، وهو العمل الذي انتقل به من المختبر إلى تطبيقات بيئية واقعية في بيئات شديدة القسوة. 

يقول روسادو "بدأت العمل على الميكروبات في القارة القطبية الجنوبية، لفهم كيف يمكن لهذه الكائنات ليس فقط البقاء على قيد الحياة، بل والازدهار في درجات حرارة تحت التجمد". وعندما وقع حريق وتسرب للديزل في محطة "كوماندانتي فيراز" البرازيلية في أنتاركتيكا، دُعي روسادو لوضع بروتوكول للتنظيف الحيوي، ونجح في ذلك. 

لاحقًا، أصبح أستاذًا في جامعة ريو دي جانيرو، وأستاذًا زائرًا في جامعة كاليفورنيا، ديفيس، كما شغل مناصب قيادية في معهد علم الأحياء الدقيقة والجمعية البرازيلية لعلم الأحياء الدقيقة. وفي عام 2020، فتحت كاوست أمامه أفقًا علميًا جديدًا. 

ويوضح روسادو "لقد انتقلت من بيئة متطرفة إلى أخرى، ثم اكتشفت الأنظمة البيئية المذهلة في المملكة العربية السعودية. الأمر لا يقتصر على الصحراء فحسب؛ بل هناك تنوع هائل بين الصحاري الصخرية والرملية، وحتى تلك التي تكسوها الثلوج في منطقة تبوك. هناك أيضاً البراكين، والفوهات الحرارية المائية في أعماق البحر الأحمر، والبرك البحرية شديدة الملوحة. قد تظن أنه لا يمكن لأي كائن العيش هناك، لكن الحقيقة أن الميكروبات تزدهر في تلك الأوساط". 

أسس روسادو في كاوست برنامجًا بحثيًا يرتكز على هذه الكائنات الفريدة، حيث يجمع عمله بين الاكتشاف الأساسي والتطبيق العملي: من فهم كيفية بقاء الكائنات الحية في أقصى الظروف، إلى تحويل هذه المعرفة إلى حلول قائمة على الميكروبات في مجالات مثل استعادة البيئة، والزراعة، واستكشاف الفضاء، وحماية الكوكب. 

علم الأحياء الدقيقة: حيث يتحول الخيال العلمي إلى استراتيجية 

إذا سألت روسادو عن رواية وفيلم "Project Hail Mary"، سيخبرك بإعجابه الشديد بها كقصة خيال علمي "رصينة" تتمحور حول ميكروب فضائي يزدهر في أقسى الظروف. وفي الواقع، لم يكتفِ روسادو بالتفكير في هذه الميكروبات فحسب، بل بحث في أهمية دمجها في عمليات استكشاف الفضاء والاستيطان فيه، حيث يعمل مختبره في كاوست حالياً على تطوير حلول مستمدة من الثروة الميكروبية للمملكة. 

ويشرح روسادو: "على سبيل المثال، يمكن للميكروبات التي تعيش في الظروف القاسية أن تساعدنا على البدء ببناء 'تربة أولية' لبيئات تشبه المريخ". لكن هذا العمل لا يقتصر على الفضاء؛ إذ يمكن لهذه القدرات الميكروبية نفسها أن تساعد على تحسين خصوبة وصمود التربة الصحراوية الجافة في الجزيرة العربية تحت وطأة الحرارة الشديدة والملوحة والإشعاع. 

وفي مختبره، تُظهر هذه الكائنات بالفعل إمكانات مزدوجة، يقول "عزلنا ميكروبات من براكين سعودية يمكنها تحمل جرعات عالية من الإشعاع وتركيزات عالية من مركبات كيميائية قاسية كالبيركلورات". وتمثل هذه السمات "نقطة انطلاق بيولوجية واقعية للتساؤل عن كيفية استمرار الحياة تحت ضغوط تشبه ضغوط المريخ، وكيف يمكننا يوماً ما استخدام الميكروبات لدعم الحياة خارج الأرض". 

كذلك، يدرس مختبره الميكروبات التي تنتج "الكاروتينويدات" القوية، وهي صبغات طبيعية تمتص وتبدد الإشعاع الشمسي الزائد. ويشير روسادو إلى أن هذه المركبات قد توفر واقياً شمسياً طبيعياً لحماية الخلايا البشرية دون إلحاق الضرر بالكائنات الحساسة مثل الشعاب المرجانية، كما يمكنها حماية المعدات في الفضاء من الإشعاع الكوني. يقول "هدفنا هو تحويل هذه الكائنات من مجرد فضول علمي إلى منصات للابتكار؛ فهي تحمل حلولاً بيولوجية صقلها التطور الطبيعي عبر الزمن لتتحمّل أقسى البيئات، وتعمل فيها بكفاءة". 

ويشرح روسادو أن هذا ما دفعه لبدء أبحاث الفضاء والتعاون مع زملائه في وكالة 'ناسا' منذ سنوات، وتحديداً في مجالي الأحياء الفلكية والتقنيات الحيوية الميكروبية الفضائية. لقد كانوا بحاجة إلى خبرة في الكائنات التي تزدهر في الظروف القاسية، وشكّلت تلك الفترة محور مسيرته العلمية.  

صياغة قواعد الاستكشاف المسؤول للفضاء 

تمثيلاً لكاوست على الساحة العالمية، دُعي روسادو مؤخراً للانضمام إلى "الفريق العامل المخصص لحماية الكواكب" التابع لوكالة ناسا، والذي يهدف إلى تعزيز الاستكشاف المسؤول للنظام الشمسي من خلال تطوير تدابير تحمي النزاهة العلمية والبيئات المُستكشفة وكوكب الأرض. 

ويؤكد روسادو أن كاوست تدعم أبحاثه بقوة، حيث وفرت له الحرية الفكرية، والبنية التحتية، والتواصل الدولي اللازم لتحويل الأفكار الطموحة إلى علوم ذات صلة عالمية، بدءاً من التعاون مع ناسا والشركاء الدوليين وصولاً إلى وكالة الفضاء السعودية، مما يعزز دور المملكة في استكشاف الفضاء.

كما سلط الضوء على استثمار الجامعة في غرفة محاكاة الكواكب (planetary chamber) التي تتيح للباحثين في مختبره محاكاة الظروف على الكواكب الأخرى. ويقول "هذه الغرفة ليست مجرد أداة متطورة، بل هي تقنية جبارة بُنيت في مختبرنا، وتتماشى مع التوجهات الاستراتيجية الجديدة لكاوست. حيث تمتلك المملكة موارد ميكروبية استثنائية، وإذا فهمناها بشكل صحيح، يمكنها المساهمة في حلول الأمن الغذائي، والطاقة، والزراعة، وجهود الترميم البيئي، وحتى تطوير أنظمة الفضاء المستقبلية". 

وجاء تعيين روسادو في لجنة حماية الكواكب عقب بحث قاده في كاوست العام الماضي بالتعاون مع مختبر الدفع النفاث التابع لناسا ومعاهد هندية، حيث تم تحديد 26 نوعاً جديداً من البكتيريا في مرافق تجميع المركبات الفضائية، تمتلك جينات تجعلها شديدة التحمل للإشعاع وظروف الفضاء القاسية. 

ويؤكد البروفيسور روسادو "تتمتع المملكة بموقع استثنائي يؤهلها لتكون مركزًا عالميًا رائدًا في مجالي التقنية الحيوية وعلوم الفضاء. فلا يمكن تصوّر مستقبل حقيقي لاستكشاف الفضاء أو لأنظمة دعم الحياة فيه بمعزل عن دور الميكروبات- وفي المملكة تتكامل جميع المقومات اللازمة لقيادة هذا المسار من بيئات فريدة، وطموح وطني لا حدود له، وبنية تحتية متقدمة". 

الانضباط والاستكشاف والقيادة العلمية 

على الرغم من اختياره مساراً مختلفاً عن التقاليد العسكرية لعائلته، يرى روسادو أوجه تشابه واضحة بين العالمين: الانضباط، والصمود، والدافع للاكتشاف. ويشير إلى أن الوجود العسكري أمر شائع سواء في محطات الأبحاث النائية في القارة القطبية الجنوبية، أو في وكالات الفضاء، وأن معرفته بتلك الثقافة تساعده على أداء مهامه.

وفي كاوست، استمر روسادو في هذه الطاقة طوال مسيرته الأكاديمية، مما نال تقدير أقرانه، وتُوج ذلك بانتخابه زميلاً في "نادي المستكشفين" (The Explorers Club) والأكاديمية الأمريكية لعلم الأحياء الدقيقة في عام 2025. ويعلق على ذلك "تعلمت أن الناس فعلًا يقدرون هذا العلم، وأن الاستكشاف يمكن أن يؤدي إلى نتائج علمية ملموسة".

وتستمر اليوم -في كاوست- مسيرة الاستكشاف التي بدأت بحلمٍ صغير، لتُعيد صياغة دور المملكة والجامعة كمنارةٍ عالمية للأثر العلمي - حيث لم تعد الميكروبات مجرد كائنات دقيقة غير مرئية، بل أصبحت محركات أساسية للصمود والابتكار واستكشاف الفضاء.