Top

العلم والفن على مر العصور

تتحدث الفنانة الأمريكية المعاصرة راشيل سوسمان إلى جمهور جامعة الملك عبدالله حول الجمع بين الفن ومفهوم الزمن، في محاضرة لها في برنامج الإثراء الشتوي ٢٠١٩. عدسة أندريا باخوفين-إخت.

-بقلم تانيا بيترسن، أخبار جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية

هل فكرت يوماً بأقدم كائن لا يزال حيّاً حتى يومنا هذا؟ ترى هل هو شجرة، أم شعاب مرجانية تحت سطح البحر، أم طحالب تستلقي على صخرة؟

بعد رحلة إلى اليابان في العام 2004، وزيارة شجرة عمرها آلاف السنين في جزيرة ياكوشيما، أمضت الفنانة الأمريكية المعاصرة، راشيل سوسمان، 10 سنوات في أحد مشاريعها الكبيرة. ولم تكتفِ بمجرد التفكير بأقدم كائن مازال على قيد الحياة في العالم، بل أيضاً بتوثيقها كجزء من سعيها الشخصي العميق إلى التفاعل مع الزمن.

تقول راشيل: "كنت مهتمّةً بصناعة الفن الذي يتحدث إلى الناس، وكنت مهتمةً أيضاً بالتفكير الفلسفي حول القضايا المحيطة بمعاني أن أكون شخصاً في العالم، ومعاني أن أكون على قيد الحياة. فتوصلت إلى هذه الفكرة عن الزمن العميق، والتي تجمع بين الفن والعلم والتفكير الفلسفي، للبدء بصياغة علاقتنا مع التفكير العميق بالزمن".

كان سعيها للانخراط بالزمن، ورحلتها الفنية والفلسفية إلى اليابان، هو موضوع المحاضرة التي ألقتها راشيل في 20 يناير في إطار برنامج الإثراء الشتوي للعام 2019 الذي إحتضنته كاوست في حرمها الجامعي.

قررت الفنانة راشيل سوسمان تصوير كائنات من 30 نوعاً مختلفاً يحافظ على بقائه فردياً منذ 2000 عام أو أكثر، في مشروع "أقدم الكائنات الحية في العالم". عدسة أندريا باخوفين-إخت.

مع عودتها إلى نيويورك قادمةً من اليابان، وُلد مشروع سوسمان بعنوان "أقدم الكائنات الحية في العالم"، حيث شرعت بتصوير 30 نوعاً مختلفاً من الكائنات التي مازالت حيّة بمفردها منذ ألفي عام أو أكثر.

لماذا ألفين عام؟ تقول سوسمان إنها تريد أن تلفت الانتباه إلى ضآلة ضبط الوقت والزمن البشري. فعلى سبيل المثال، لماذا السنة الآن 2019 وليست 4 مليارات و500 مليون و2019؟ وبدأت تلاعب فكرة كيف يمكن لنا نحن البشر أن نغيّر علاقتنا مع الزمن.

تشرح راشيل: "شرعت في هذه الرحلة، وكان عليّ أن أحدّد أين أبدأ. ولم يكن لديّ قائمة بكافة الكائنات الحية القديمة، لأن هذا المشروع لم يكن قد تم القيام به من قبل". وتقول: "فكّرت في أن أجد عالماً بيولوجياً يتعاون معي ويشارك في تأليف الكتاب، لذا قابلت بضعة أشخاص إعتبروا أنفسهم "غير مؤهلين للقيام بذلك. فسوسمان  كانت تتحدث عن الفطريات والبكتيريا والنباتات والحيوانات، وهم متخصصين بشعبة واحدة من مجموعة فرعية واحدة من نوع واحد منها.  لذا بدلاً من العمل مع أحد العلماء، عملت سوسمان مع 30 عالماً.

صورت سوسمان كل شيء، من شجرة الباوباب البالغة من العمر ألفي عام في حديقة كروجر الوطنية في جنوب أفريقيا، وصولاً إلى المرجان الدماغي الضخم في ترينيداد وتوباغو، والستروماتوليت في غرب أستراليا.

شجرة أرز يابانية عمرها أكثر من 2000 سنة عرضتها الفنانة راشيل سوسمان خلال محاضرتها في جامعة الملك عبدالله ضمن برنامج الإثرء الشتوي 2019. عدسة أندريا باخوفين-إخت.

وتقول سوسمان: "الستروماتوليت رائعة جداً لأنها تتألف من جزأين، جزء بيولوجي وجزء جيولوجي". وتشرح قائلةً: "إنها تتكوّن من البكتيريا الزرقاء الملتوية، التي تشكل عملية التمثيل الضوئي. نشأت قبل حوالي 3.5 مليار سنة وقامت بصنع الأكسجين للكوكب. استغرق الأمر 900 مليون سنة. ومستعمرة الستروماتوليت في غرب أستراليا عمرها حوالي 2000 إلى 3000 سنة فقط، وتقع تماماً على حافة الشاطئ حيث يوجد أثر النيزك. هذا أمر مثير لأنه يجعل العقل يتساءل عن احتمال أن يكون أصل الحياة على الأرض، هو أماكن أخرى في النظام الشمسي أو خارجها، جاءتنا عبر نيازك".

وواحدة من أقدم الكائنات الحية المعروفة في العالم هي مستعمرة بكتيرية تعيش في سيبيريا في التربة المتجمدة، وتسمى البكتيريا السيبيرية، وتبلغ من العمر ما بين 400 ألف إلى 600 ألف سنة. وما وجدته راشيل بشكل محدد هو أن هذه البكتيريا لم تُحتجز في سُبات ضمن الجليد، بل إنّها عاشت ونمت ومازالت تصلح ببطء حمضها النووي منذ نحو نصف مليون سنة وحتى الآن.

ولعلّ الكائن المفضل لدى راشيل في المشروع بأكمله هو ذلك الكائن البطيء النمو، كالأشنة المسنّة الخضراء في غرينلاند، والتي يبلغ عمرها 3000 عام وتنمو بمقدار سنتيمتر واحد كل 100 عام. وتفكّر سوسمان فيما ستشعر به لو أنها عاشت على صخرة مع هذا المنظر الطبيعي، وقضت حياتها كلها لتنمو سنتيمتراً واحداً فقط.

لاحظت الفنانة المعاصرة راشيل سوسمان خلال محاضرتها أنها "توصلت إلى هذه الفكرة عن الزمن العميق، والتي تجمع بين الفن والعلم والتفكير الفلسفي... للبدء في صياغة علاقتنا مع التفكير العميق بالزمن". عدسة أندريا باخوفين-إخت.

وتقول: "بالنسبة لي، كانت زيارة مثل هذا المكان في الواقع أشبه بعودة في الزمن. جرّبت أيضاً التيار الجليدي بصحبة المئات والمئات من سمك السلمون المرقط. كان هناك الكثير منها لدرجة أن بمقدورك التقاط سمكة مباشرة من الماء. وبالنسبة لي كانت هذه لحظة أخرى أشبه بالسفر عبر الزمن. ولا شك أنّها غطت الكوكب قبل أن يغطيه البشر، لذلك أستطيع أن أرى كيف تم تضليلنا في استخدام مواردنا. ومع ذلك، فإنّها تذكّرنا بهذه الطريقة بما اعتادت أن تكون عليه، نتذكر أيضاً ضروة الاهتمام بما لدينا حالياً".

بالنسبة لسوسمان، التي قالت إنها تفكر بالزمن، الزمن العميق والتفكير طويل الأمد، ربما يكون هذا هو الهدف النهائي لعملها.

تشير سوسمان إلى أن "الفكرة مع فنّي هي إقامة علاقة شخصية لاستخدامها كنقطة اتصال وتواصل، ولإضفاء طابع شخصي على تجربة الزمن"، وتتساءل: "لماذا هذا مهم؟ لأن التفكير في الزمن العميق يؤدي إلى التفكير طويل الأمد، والتفكير طويل الأمد مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى على كوكبنا".