Top

رؤية تضيء حياة الملايين

الدكتور أندرو باستوروس، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لبيك يتحدث إلى مجتمع جامعة الملك عبدالله في محاضرة رئيسية حول خبراته كطبيب وجراح عيون، وباحث طبي، ضمن فعاليات برنامج الإثراء في الخريف لعام 2017.

ضمن فعاليات برنامج الإثراء في الخريف لعام 2017، استضافت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في 25 اكتوبر الدكتور الطبيب أندرو باستوروس، الأستاذ المساعد للصحة الدولية للعيون في كلية لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة والباحث في المركز الدولي لصحة العيون، حيث ألقى محاضرة رئيسية تناولت مسيرته المهنية كطبيب، وجراح عيون، وباحث، ورئيس تنفيذي ومؤسس مشارك لشركة بيك (PEEK)، وهي مؤسسة اجتماعية، تقدم تطبيقاً لصحة العيون منخفض التكلفة على الهواتف الذكية يتيح الخدمات الصحية للعيون في المناطق والبلدان التي يصعب توفير الرعاية الصحية فيها.

وخلال كلمته الرئيسية، تحدث الدكتور أندرو عن التحديات والحلول الممكنة لمشاكل البصر، إضافة لطرحه نموذج عمل مستدام لمعالجة هذه المشكلة التي تعد من أهم الإعاقات التي لم تغطى بصورة كبيرة وكافية على الساحة الطبية.

التحديات والحلول


وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يقدر عدد الأشخاص الذين يعانون من مشاكل البصر بنحو 253 مليون شخص في العالم: 36 مليون منهم يعانون من فقدان البصر بصورة كاملة، و217 مليون يعانون من ضعف معتدل إلى حاد في البصر. وتعيش أغلبية هذه الحالات في البلدان منخفضة الدخل حيث تكون البنية التحتية اللازمة لتوفير الرعاية الصحية المناسبة ضئيلة للغاية. يقول الدكتور أندرو: "معظم حالات فقدان البصر يمكن فعلاً علاجها حيث نجد أن من بين خمسة مكفوفين يوجد أربعة يمكن تقديم العلاج الوقائي لهم. ومشكلة فقدان البصر لا تؤثر فقط على الأفراد بل المجتمع بأكمله. ومن المعتاد جداً في بعض المجتمعات الفقيرة أنه عندما يفقد الشخص بصره، يتم تعيين شخص آخر من المجتمع لمساعدته. حتى أن الأطفال في معظم الأحيان لا يحصلون على فرصة الذهاب إلى المدرسة لانشغالهم برعاية المكفوفين".


عمل الدكتور أندرو باستوروس، الذي يتخذ من كينيا مقرا له، في دول مختلفة مثل بليز ومدغشقر وسيراليون وسريلانكا وبيرو وأوغندا.  وسافر في الفترة بين عامي 2010 و2012 إلى كينيا لدراسة وتقييم أمراض العيون جنوب الصحراء الكبرى وجمع البيانات الصحية العامة للسكان المحليين. يقول الدكتور أندرو: "أكثر ما شدني في كينيا، هو أنه بمجرد سماع أن فريق "بيك" سيتواجد في مكان معين تجد قرابة 200 إلى 300 شخص متجمهرين وجميعهم يطلب الرعاية الصحية. وشيئاً فشيئاً أصبح هذا الأمر مشكلة كبيرة. وأدركت وقتها أنني حتى وإن قضيت كامل يومي في الكشف عن أكبر عدد ممكن من الناس، بالكاد أجد شخصاً واحداً يستحق فعلاً الرعاية الصحية".


الاستفادة من تقنية الهاتف المتنقل


وأشار الدكتور أندرو إلى مفارقة عجيبة، فعلى الرغم من ضعف البنية التحتية المحلية في كينيا، إلا أن تغطية الهاتف المحمول واستخداماته متوفرة وذات شعبية كبيرة لدى السكان المحليين. مما يعني إمكانية تسخير هذه التقنية للوصول لأكبر شريحة ممكنة من الناس في المناطق النائية والتي يصعب الوصول إليها وبالتالي توفير الرعاية الصحية للعيون لمستحقيها -وعلى وجه التحديد -أولئك الذين يعانون من فقدان البصر القابل للعلاج. يقول الدكتور أندرو: "أكثر من 80٪ من سكان المناطق جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا يمكنهم الحصول على هاتف محمول، ولكن 50٪ فقط بالكاد يحصلون على المياه الجوفية النظيفة وخدمات الصرف الصحي. وعلى الرغم من غرابة هذه الإحصائية إلا أنها كانت فرصة مواتية بالنسبة لفريق بيك، خصوصاً أننا كنا في أماكن نائية ولا يوجد فيها مياه جارية، ولا بنية تحتية جيدة، ولا إنترنت، ومع ذلك، كانت تغطية الهاتف المحمول متوفرة وممتازة."



تطوير أداة متفوقة ومتنقلة لفحص العيون 


وأثناء إقامته في كينيا، أدرك الدكتور أندرو أنه من المستحيل بالنسبة له التعامل مع العدد الكبير من المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية العيون، لذلك قرر تحويل هاتفه الذكي إلى عيادة عيون متنقلة أطلق عليها بيك أكوتي وبيك ريتينا، وهي أدوات متنقلة مبتكرة لطب العيون منخفضة التكلفة تستخدم شاشة الهواتف الذكية ذات الدقة العالية للكشف عن ضعف البصر وتستخدم قطعة خاصة يتم وصلها بعدسة كاميرا الهاتف بحيث يمكنها أخذ صورة مفصلة للمكونات داخل العين.  

وأعطى النموذج الأول لأداته الجديدة القدرة لأي شخص سواءً كان ممرضاً أو شخصاً لا يمتلك أي معرفة طبية على فحص العيون باستخدام الهاتف النقال واتخاذ قرارات عن الحالة تماماً كأطباء العيون المتخصصين، الأمر الذي أدى لتقليل عدد ساعات العمل الطويلة للأخصائيين الذين كانوا يعانون من إرهاق شديد لكثرة الحالات في المستشفيات، في حين قام المعلمون والمتطوعون باستخدام هذه الأداة لتقييم وفرز الحالات التي تستدعي العلاج فعلاً. يقول الدكتور أندرو: "كانت الفكرة هي النظر إلى الفحوصات التي كنا نقوم بها في العيادة ثم محاولة تكرار ذلك ولكن بطريقة مبتكرة وجديدة. وتمكنا من تحقيق ذلك بفضل الهاتف النقال الذي يمكن لأي شخص غير متخصص التعامل معه بسهولة، وتمكنا في التجربة الأولى للتطبيق من فحص 21,000 طفلاً، وتحديد 900 حالة ضعف بصر، وساعدنا في ذلك 25 معلماً متطوعاً واستغرق الأمر تسعة أيام فقط. والجدير بالذكر أنني احتجت لفترة سنة ونصف للكشف على 7000 شخص، ولكن بفضل الأداة والتطبيق الذي طورناه تمكنا من الكشف على 21,000 شخصاً في تسعة أيام فقط."



تخطي العقبات والتخطيط للمستقبل


أطلق برنامج بيك رسمياً كأداة طبية، وأصبح اختبار الرؤية متاحاً الآن في 154 بلداً حول العالم، كما أن جهاز بيك ريتنا نفسه أصبح متاحاً في 72 بلداً. وعلى الرغم من كل هذا التقدم والنجاح، يوضح الدكتور أندرو باستوروس أن بعض العقبات لا تزال موجودة عندما يتعلق الأمر بعلاج أمراض العيون، ومن هذه العقبات أن بعض المكفوفين لا يدركون أن هناك علاج لمرضهم، إضافة إلى نقص الوعي من قبل مزودي الرعاية الصحية المحليين، والخدمات السيئة، وارتفاع تكاليف العلاج، وبعد المسافة، وعدم توفر مرافقين للمريض، والخوف من العمليات الجراحية في العين.

يقول الدكتور أندرو: "عملنا ليس تطوير التقنية وإنما مساعدة الناس. إذا حددنا شخصاً يحتاج إلى العلاج، ولم نستطع تقديم العلاج له فلن نحدث أي فرق أو تأثير. تركيزنا ليس على جزئية التقنية فقط، بل المنظومة العلاجية بكامل أجزائها. وكنا نعي تماماً منذ البداية أننا لن نحل مشكلة من خلال إطلاق التطبيقات وتطوير الأدوات فقط، بل عبر تطوير نظام عملي متكامل يحد من طوابير المرضى ونتمكن من خلاله من تغيير حياة الملايين من المكفوفين والذين يعانون من فقدان البصر القابل للعلاج".


بقلم ديفيد مورفي من أخبار جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.