التحق بالجامعة
الانتقال إلى الجامعة
انضم إلينا
وظائف أعضاء هيئة التدريس
رؤيتنا
المجلة العلمية
لا تقتصر أهمية الشعاب المرجانية على دعم الحياة البحرية فحسب، بل تُعدّ أيضًا سجلًا حيًا يوثّق البصمة الكيميائية للأنشطة البشرية في المحيطات.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، عن تنامي مركّبات كيميائية مثل الأدوية، ومنتجات العناية الشخصية، ومبيدات زراعية داخل أنسجة الشعاب المرجانية، مما يجعلها مؤشراً حيوياً وسجلاً زمنياً دقيقاً للتغيرات البيئية التي يفرضها النمط الحضاري الحديث.
وتقدّم هذه الدراسة أداة قيّمة وموجهة نحو أهداف محددة للمملكة العربية السعودية، في الوقت الذي تسعى فيه إلى توسيع قطاعات السياحة، والاستزراع المائي، والرعاية الصحية، وغيرها من القطاعات بشكل مستدام.
وتؤكد البروفيسورة سوزانا كارفاليو الأستاذة المشاركة في علوم البحار في كاوست، والباحثة الرئيسة في الدراسة، أهمية رصد المركّبات الكيميائية الناشئة في النظم البيئية الفريدة للشعاب المرجانية في البحر الأحمر، قائلةً "يسُدّ هذا العمل فجوة معرفية كبيرة في منطقة البحر الأحمر، من خلال توفير بيانات مرجعية أساسية لرصد الملوثات الناشئة ودعم صياغة السياسات البيئية".
وأظهرت الدراسة أن مركّبات مثل المضادات الحيوية، ومضادات الالتهاب، وموسّعات الشعب الهوائية، والعقاقير المؤثرة في الجهاز العصبي المركزي، ومثبطات مضخة البروتون، والمنبّهات، منتشرة على نطاق واسع وقابلة للتراكم الحيوي عبر أنظمة الشعاب التي تمت دراستها، ما يكشف حجم التعرّض الكيميائي في هذه البيئات، ويساعد العلماء على تحديد الحدود الآمنة بناءً على استجابات الأنواع ذات الأهمية المحلية.
تمكّن باحثو كاوست من رصد مركّبات كيميائية في أنواع من الشعاب المرجانية الصلبة عبر 15 موقعًا في ثلاث مناطق من البحر الأحمر. ومن اللافت أن بعض هذه المركّبات سُجّلت بتراكيز أعلى في المناطق البحرية البعيدة عن الساحل، ما يقدّم فهمًا جديدًا لكيفية نقل التيارات البحرية لهذه المواد وإعادة توزيعها بعيدًا عن مصادرها الأصلية.
ورغم رصد آثار الأدوية على نطاق واسع في المياه الساحلية عالميًا، تقدّم هذه الدراسة دليلًا مباشرًا على قدرة الشعاب المرجانية على امتصاص هذه المركّبات وتراكمها حتى في المناطق البحرية المفتوحة.
وقالت كارفاليو "لوحظ على نحو خاص وجود مواد مثل دواء (السالبوتامول) المستخدم لعلاج الربو، ومبيد الأعشاب الضارة (الأترازين)، بصورة متكررة، ما يشير إلى تعرّض الكائنات في الشعاب المرجانية لطيف واسع من المركّبات الكيميائية التي ينتجها الإنسان".
كما تكشف الدراسة عن تباينات بين مواقع الشعاب المرجانية ترتبط بالظروف المحلية، وتوفّر بيانات مرجعية تدعم جهود الرصد البيئي طويل الأمد مع توسّع التنمية الساحلية، بما يحمله ذلك من دلالات مهمة على المستويين الإقليمي والعالمي في مجال الحفاظ على البيئة.
من خلال الإشارات الكيميائية عبر الزمن، توفّر أنسجة الشعاب المرجانية صورة أشمل ومتكاملة زمنيًا للتعرّض البيئي مقارنةً بعينات المياه وحدها. ويؤكد الباحثون أهمية تطوير أنظمة الرصد البيئي لدعم قدرة الشعاب المرجانية على التكيّف والصمود في ظل التغيرات البيئية المتسارعة.
كما شدّدت كارفاليو على أن فهم تراكم الملوثات داخل الشعاب المرجانية يُعدّ عنصرًا أساسيًا لتعزيز جهود الحماية البيئية ووضع الأطر التنظيمية الفاعلة.
بالنسبة للمملكة، تُعدّ هذه النتائج ذات أهمية خاصة لدعم التوسّع المستدام في قطاعات السياحة البحرية، والاستزراع المائي، والرعاية الصحية. وأوضحت كارفاليو "تكشف الدراسة عن فروق إقليمية مرتبطة بالأنشطة البشرية، مثل التنمية الحضرية والاستزراع المائي، ما يشير إلى تأثير المصادر المحلية في أنماط التلوث عبر الشعاب، ويبرز الحاجة إلى تحسين إدارة مياه الصرف".
وأضافت "تؤكد هذه النتائج أن التعرّض الكيميائي يُعدّ عامل ضغط غير معترف به بالقدر الكافي، ويؤثر في الشعاب المرجانية، ويضيف طبقة جديدة من التحديات إلى الأنظمة البيئية التي تواجه بالفعل ضغوطًا متزايدة نتيجة تغيّر المناخ وظواهر ابيضاض المرجان".