Top

كيف تسهم أدوات علم البيئة الجزيئي في حماية الموارد البحرية السعودية؟

تأمل الدكتورة إيفا أيلاجاس مارتينيز أن تؤثر أبحاثها في كاوست بشكل إيجابي على بيئة البحر الأحمر

يرى باحثو جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) ومنتسبوها أن هناك حاجة ماسّة لإجراء حوار دائم بين علماء البيئة الجزيئية، وصانعي السياسات، وغيرهم من الأطراف المعنية؛ لدعم تبنّي أساليب عمل قائمة على الحمض النووي (DNA) في رصد البيئة البحرية وتقييمها، مستعرضين أمثلة في دول وجهات دولية استفادت من هذه التقنيات لوضع سياسات تحافظ على الموارد البحرية بالتعاون بين جميع الجهات المعنية. وتجدر الإشارة إلى أن علم البيئة الجزيئي هو العلم المعنى بدراسة التطور الحيوي للأحياء، ويبحث في مجالات كيفية تأثير الوراثة وتطور الأنواع وتأثير العوامل البيئة فيها.

تقول الدكتورة إيفا أيلاجاس عالمة البيئة الجزيئية في مركز أبحاث البحر الأحمر ب<<كاوست>>: "الأدوات الجديدة التي قد تحلّ إشكاليات كبرى في هذا المجال لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، لأن الباحثين وصانعي السياسات وغيرهم من الأطراف المعنية بإدارة البيئة البحرية غالبًا ما يعمل بعضهم بمعزل عن بعض".

في هذا الإطار يتجه العلماء إلى استخدام تقنيات الترميز الشريطي (barcoding) والترميز الشريطي التجميعي (metabarcoding) للحمض النووي، وهو أسلوب تصنيف يستخدم علامة جينية قصيرة في الحمض النووي للكائنات الحية للتعرف على النوع الذي تنتمي له عن طريق مقارنة أجزاء صغيرة من حمضها النووي بقاعدة بيانات مرجعية. في السابق جرت العادة أن ينطوي تقييم صحّة النظام البيئي على الكشف عن الكائنات الحية من العينات بناءً على خصائصها الشكلية، وهو ما يستلزم مهارات متخصصة في علم التصنيف، علاوةً على أنه يستغرق وقتًا طويلًا ويكون مكلفًا للغاية، أما تقنيات الترميز الشريطي، والترميز الشريطي التجميعي للحمض النووي، فقد توفّران الوقت والمال عند استخدامهما في برامج الرصد البحري. كما تُستخدَم تقنية الترميز الشريطي للحمض النووي حاليًّا، لتسريع وتيرة البحث بشكل كبير في مجالات كالهندسة الكيميائية وعلم المواد وتكنولوجيا النانو. على سبيل المثال، يستخدم المهندسون الرموز الشريطية للحمض النووي لتحسين تصميم الجسيمات النانوية ووظيفتها؛ حتى يتمكنوا من توصيل الأدوية بأمان إلى الخلايا المريضة في جسم الإنسان.

استعانت أيلاجاس وزملاؤها بالدروس المستفادة من عدة مشروعات في طرح خارطة طريق؛ لإقامة تعاون هادف بين الأطراف المعنية، من أجل تطبيق مناهج العمل الجزيئية في رصد البيئة البحرية.

ففي نيوزيلندا، على سبيل المثال، اختُبر الترميز الشريطي التجميعي للحمض النووي في رصد الآثار الممتدة لمزارع تربية الأحياء المائية على البيئة البحرية المحيطة. فتربية الأحياء المائية قد تُلحق ضررًا بالبيئة، عندما تتراكم المادة العضوية من إفرازات الأسماك والأغذية غير المأكولة، وهو ما يجعل من مرافق تربية الأحياء المائية بيئةً سامّة، ويتسبب أيضًا في انخفاض الأكسجين أمام الكائنات الحية في الرواسب البحرية.

وقد تعاونت حكومة نيوزيلندا مع الهيئات المعنية بالرصد والقطاع الصناعي والباحثين؛ لمقارنة أساليب العمل التقليدية، بالأساليب القائمة على استخدام الحمض النووي في رصد الرواسب البحرية في المنطقة المحيطة بعدد كبير من مزارع تربية الأحياء المائية في مناطق مختلفة.

وكان التعاون المباشر منذ البداية بين مُزارعي تربية الأحياء المائية والهيئات الحكومية المعنية ركيزةً أساسيةً في وضع بروتوكول يناسب جميع الأطراف.

تقول الدكتورة سوزانا كارفالو، المؤلفة المشاركة للبحث وعالمة البيئة البحرية في <<كاوست>>: "أثمر هذا النهج عن نتائج أكثر موثوقية وسرعةً وأقلّ تكلفة من الطرق التي كانت تُستخدم من قبل، وقريبًا سيصبح الترميز الشريطي التجميعي للحمض النووي جزءًا من التشريعات البيئية في نيوزيلندا؛ بهدف الرصد الدوري لأنشطة تربية الأحياء المائية".

أما في أوروبا، فقد طوّر مشروع الأبحاث "ديفوتس" DEVOTES أدوات ومؤشرات مبتكرة لتقييم آثار الأنشطة البشرية على التنوع الأحيائي البحري. وعقدت عدة أطراف معنية مقارنةً بين طرق التصنيف التقليدية وبين أساليب الترميز الشريطي التجميعي للحمض النووي لرصد اللافقاريات الكبيرة، مثل القشريات والديدان، في الرواسب البحرية، إذ يُعدّ تنوع هذه الكائنات مؤشرًا قويًا على صحّة النظام البيئي البحري. وقد أثمرت تقنية الترميز الشريطي التجميعي للحمض النووي نتائج إيجابية للغاية، ما أدى إلى اقتراح استخدامها لتحسين عمليات التقييم البيئي في أوروبا.

وتقول أيلاجاس: "أهم درس مستفاد من هذه المشروعات هو ضرورة بناء علاقات راسخة ووطيدة بين الباحثين وصانعي السياسات؛ لتطوير أدوات رصد جديدة، واختبارها، والتحقّق منها، وتوحيد استخدامها على نحو فعال".

ويقترح باحثو كاوست ومنتسبوها خارطة طريق تشجّع التفاعل والمشاركة والتواصل والالتزام، ويؤكدون أيضًا ضرورة تأطير القرارات المعنية بأساليب العمل الجزيئية بما يتيح استخدامها على نحو معتاد.

ويعمل باحثو كاوست حاليًّا مع ممثلي الجهات الحكومية والأطراف الأخرى المعنية في المملكة العربية السعودية من أجل دراسة إمكانات الأدوات القائمة على استخدام الحمض النووي في تحسين عمليات الرصد البحري في منطقة البحر الأحمر.