Top

مصباح زيت مطر يقود علماء «كاوست» لتطوير تقنية تجميد الكربون

استلهم كريستوف واغستاف من ذكريات طفولته فكرة لتطوير تقنية مستخدمة في احتجاز الكربون بدرجة حرارة منخفضة.

تعمل التقنية على تجميد ثاني أكسيد الكربون لاحتجازه عند درجة حرارة منخفضة لمواجهة تغيّر المناخ.

في تطور نوعي، يقترب علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) من تطوير تقنية احتجاز تجميد ثاني أكسيد الكربون عند درجة حرارة منخفضة، بصورة أكثر فعالية وكفاءة من منهجية ما يسمى "الامتصاص أو إزالة الامتصاص".

هذا التطور يأتي في وقت حذر فيه الأمين العام للأمم المتحدة جميع دول العالم قبيل انعقاد مؤتم الأطراف المعني بتغيّر المناخ (كوب27) في مصر في شهر نوفمبر 2022، حيث قال بان العالم على "طريق سريع إلى جحيم مناخي". وكما هو معلوم، فان ثاني أكسيد الكربون يعد هو السبب الرئيسي للاحترار العالمي والذي يعد بدوره أحد أكثر التحديات إلحاحًا في مواجهة البشرية. ولمكافحة آثارها الكارثية المحتملة، يبحث العلماء عن تقنيات جديدة يمكن أن تساعد العالم في الوصول إلى الحياد الكربوني، أي التخلص من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الهائلة بطرق آمنة.

وحول التقنية التي تعمل «كاوست» على تطويرها، يقول كريستوفر واغستاف الباحث في مرحلة الدكتوراة في مركز أبحاث الاحتراق النظيف بالجامعة: "يوجد في قلب تقنيتنا -لاحتجاز الكربون- ذات درجة الحرارة المنخفضة، جهاز يقوم برش سائل شديد البرودة على الغاز الصاعد من المداخن أو مصارف انبعاث الغاز. وفور ملامسة السائل البارد لثاني أكسيد الكربون الموجود في الغاز، يتجمد على الفور، مما يُسّهل من مهمة جمعه وتخزينه".

كما يشير واغستاف إلى أنّ ثمة شروطاً يجب توافرها في رذاذ السائل البارد لتحسين هذه التقنية، وهو أن تكون قطرات هذا السائل متجانسةً ومتسقةً ومُكثّفةً، مع مراعاة توزيع القطرات بالتساوي، وهو ما تفتقده التصميمات الموجودة حالياً لهذه التقنية.

ويعمل واغستاف على حلّ هذا التحدّي تحت إشراف البروفيسور ويليام روبيرتس، أستاذ الهندسة الميكانيكية في «كاوست»، وبعد استعراض المفاهيم المختلفة مع زملاؤه، وصل واغستاف إلى اعتقادٍ، مفاده أنّ التغيرات الطفيفة في الفوهات، أو أنماط الرش لن تؤدي إلى تحسُّن كبير.

بداية الفكرة

في أحد الأيّام، بينما كان واغستاف يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أسر انتباهه مجموعة تسمى "اكتشافات غريبة مستعملة"، في هذه المجموعة شارك شخص ما صورة لمصباح زيت المطر، الذي يعرفه منذ طفولته.

تلك المصابيح التي كانت شائعة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قد سميت بهذا الاسم لأنك ترى الزيت يتدفق منها، مما يعطيها مظهرًا وكأنها تمطر. وكانت تأتي مع مجموعة متنوعة من الشخصيات في الداخل - من عجلة طاحونة إلى زوجين راقصين.

يقول واغستاف: "كان لدى أصدقاء العائلة مصابيح زيت المطر، وفي الوقت الذي كان فيه الكبار يثرثرون بأحاديث مملة، كنت أحدّق بشغف طفولي في هذا المصباح، حيث كنت أتتبع القطرات المنزلقة على طول الأسلاك المبللة بالزيت"، ويضيف: "الطريقة التي كانت تنزلق بها القطرات تأسر العين، والتي تتحرك في الغالب بانتظام وعلى نحوٍ متوقع، كماءٍ فوق شلال".

أدرك واغستاف أنّ تصميم تلك الأسلاك المبللة من الممكن أن يكون نواة لتطوير جهاز الرشّ الذي يستخدم في رش الرذاذ البارد لتجميد ثاني أكسيد الكربون، فيقول: "انزلاق القطرات على الأسلاك ربما يجعلها أكثر انتظاماً في الحجم وموزعة بدقة وبالتساوي، وربما تسقط بشكل أبطأ بكثير من القطرات عند السقوط الحر"، ويمكن للفريق البحثي احتجاز المزيد من ثاني أكسيد الكربون من غاز المداخن بشكل عملي عبر استخدام هندسة الأسلاك للتحكم بدقة في القطرات.

أجرى واغستاف تجارب واسعة النطاق؛ لتحديد التباعد بين الأسلاك الأكثر إحكاماً، وتحديد الاتجاهات الأفضل؛ تجنباً لامتزاج القطرات، واختبر أيضاً التوتر السطحي (التأثير الذي يجعل الطبقة السطحيّة لأي سائل تتصرف كورقة مرنة) تحت تدفق الغاز الوارد، وبشرت التجارب الأولية بالأسلاك المبللة بالزيت، بنتائج مبهرة.

من جانبه يقول البروفيسور روبيرتس: "إنّها مشكلة معقدة، لكن إذا ما أمكن هندسة ظاهرة الأسلاك المبللة في حلٍ عملي؛ قد يقود ذلك إلى تغيير النظام من حيث الكفاءة وقابليته للتوسع".

يضيف واغستاف: "نعمل مع الشركات السعودية لعرض هذه التقنية والتي يمكن لها أيضا أن تنجز عديد من المهام. فعمليات التقطير والتكرير -على سبيل المثال - يمكن أن تستفيد من هذه الفكرة".

جهود «كاوست» لإنقاذ الكوكب

أصبحت الحلول العلمية عنصراً أساسياً وفعالاً لمواجهة التغيرات المناخية وتأثيراتها المختلفة. فنحن اليوم نواجه تحديات كبيرة في العالم خصوصاً تلك المتعلقة بالغذاء والمياه والطاقة والبيئة - وهي محاور الأبحاث الأربعة الإستراتيجية التي تبنتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) منذ افتتاحها في عام 2009. وانطلاقاً من ذلك، يعمل علماء الجامعة في مختلف التخصصات على قدم وساق في محاولة لفهم المخاطر والتحديات المرتبطة بتغيرات المناخ من أجل الخروج بحلول مبتكرة ومستدامة.

ولا شك أن «كاوست» تمتلك ميزات خاصة تجعلها مهيئة تماماً لتولي مهمة معالجة تحديات تغيرات المناخ والتي ستعود بالنفع على المملكة العربية السعودية بصورة خاصة والعالم بصورة عامة. فموقعها الاستراتيجي على شواطئ البحر الأحمر يسمح لها بالوصول الفوري إلى بيئة بحرية فريدة تتميز عن باقي المسطحات المائية في العالم كونها أكثر ملوحة ودفئاً وتعتبر نموذجاً مهماً لدراسة تأثيرات ظاهرة الاحتباس الحراري في المحيطات. لهذا أنشأت الجامعة مركز أبحاث البحر الأحمر الذي يقوم ببحوث عديدة ومتقدمة لدراسة الآثار المحتملة لتغيرات المناخ على الأحياء البحرية في البحر الأحمر.

وتعتمد «كاوست» منهجا متعدد التخصصات في التعامل مع تغيرات المناخ يجمع علماء الأحياء، والكيمياء، والهندسة الكهربائية، وعلماء الحاسب الآلي وغيرهم لاكتشاف الحلول المبتكرة الموفرة للطاقة والفعالة من حيث التكلفة سواءً كان ذلك عبر تصنيع مواد جديدة ومتقدمة لعزل غاز ثاني أكسيد الكربون، أو تطوير الجيل القادم من الوقود الحيوي، أو تصنيع بلورات ذات جودة عالية ترفع من طاقة الخلايا الشمسية.

من جانب اخر ونظرا لإسهامات الجامعة في هذا المجال فلقد اختيرت ضمن هيئة الترشيح لجائزة «Earthshot» التي أسسها كل من الأمير وليام؛ ولي عهد المملكة المتحدة حاليا، وعالم الطبيعة البريطاني السير ديفيد أتينبورو؛ في أكتوبر 2020.

هذه الجائزة تدعم الجهود المبذولة لإنقاذ كوكب الارض من التغيرات البيئية بتمويل يصل إلى 50 مليون جنيه إسترليني.

وتُكّرم الجائزة الأفراد والمجتمعات والشركات والمنظمات التي تقدم حلولًا واعدة لأكبر التحديات البيئية في العالم في خمس مجالات رئيسية هي: حماية الطبيعة واستعادتها، تنقية الهواء، إحياء المحيطات، بناء عالم خالٍ من النفايات، وإصلاح المناخ.