Top

هل هناك طريقة لإطعام العالم بصورة مستدامة؟

" في الشرق الاوسط تتميز الأبحاث التي تُجرَى في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بأهمّية بالغة في مجال الزراعة بالمناطق القاحلة"

تواجه منظومة الغذاء العالمية تحديات متزايدة تتضمن تغيّر المناخ وتزايد في عدد السكان وقلاقل سياسية والان جائحة كورونا. في هذا المقال يوضح السير تشارلز جودفري، مدير برنامج أكسفورد لمستقبل الغذاء – كيفية مجابهة تلك الضغوط؟

في وقتنا الحاضر يعيش على الكرة الأرضية ما يقرب من سبعة مليارات إنسان، سيزيدون بحلول منتصف القرن الحاليّ إلى قرابة عشرة مليارات نَسمة. الخبر السعيد أن معدّل الزيادة السكانية آخذ في التراجع، ومع ذلك، فإن ثمّة حاجة إلى مزيد من الموارد لإنتاج الغذاء اللازم لتحسين النظم الغذائية للأفراد، بالتزامن مع خروجهم من دائرة الفقر. ومن ثمَّ سوف تشهد العقود القليلة المقبلة زيادة بالغة في الطلب العالمي على الغذاء.

ويتزامن هذا الارتفاع في الطلب مع الضغوط المتصاعدة على جانب العرض في معادلة إنتاج الغذاء، لا سيّما في ظل زيادة المنافسة على موارد الأراضي والمياه. فعلى مدى عقودٍ طويلة، طالما أفرط البشر في استغلال التربة الزراعية، التي بدورها فقدت خصوبتها وصارت تعتمد بكثرة على عديد من المُدخلات الخارجية، مثل المياه والأسمدة والمبيدات الحشرية. ومن المتوقّع أيضًا أن يواجه العالم مزيدًا من الصدمات المتكررة؛ فالتهديدات الناجمة عن تغيّر المناخ حتمًا سوف تتصاعد بلا هوادة، وها نحن نشهد حالة بالغة من عدم الاستقرار السياسي، بالأخصّ على صعيد التجارة العالمية.

ومن الواضح تمامًا أنك إذا كنت تعيش في منطقة الشرق الأوسط، فإن الحاجة إلى وجود نظام عالمي لتداول السلع يتميّز بدرجة أداء جيدة، يُشكّل ضرورة ملحّة لتلبية الطلب على الغذاء.

هناك كثير من الأمور التي يمكن القيام بها لمواجهة تلك التحدّيات. أولا: نحن بحاجة إلى أن نكون جادين في معالجة مسألة تغيّر المناخ، ذلك التحدّي الذي يتهدد وجود البشرية في القرن الحادي والعشرين. كذلك يتعيّن علينا حتمًا إخضاع نظام تداول السلع العالمي(ابرزها السلع الزراعية وسلع الطاقة والسلع المعدنية والسلع الحيوانية) لاختبار تحمٌل؛ لنختبر مدى مرونته، وهو الأمر الذي كان لزامًا علينا أن نفعله كي نتحقق من منظومة القطاع المالي العالمي في بداية العقد الأول من القرن الحاليّ.  وفي إطار منظومة الغذاء، نحتاج إلى اتخاذ بعض الإجراءات بشأن الإنتاج الزراعي والنظم الغذائية وهدر الطعام.

أهمية "التكثيف المستدام"

 تحتاج البشرية إلى إنتاج كميات إضافية من الغذاء تنتمي إلى البصمة الزراعية نفسها بشكل أساسي، لكن مع مراعاة الحدّ بدرجة كبيرة من التأثيرات السلبية على البيئة، وهذا ما يُسمَّى غالبًا بـ"التكثيف المستدام". أما البديل، وهو التوسّع في مساحة الأراضي الزراعية، فلم يعد خيارًا قابلًا للتطبيق؛ فهناك مساحات قليلة جدًا من الأراضي الجديدة المتاحة للزراعة دون آثار بالغة الضرر على مستوى انبعاثات غازات الدفيئة والتنوّع البيولوجي.

وللتكثيف المستدام عدّة مكونات أساسية، أهمها أننا بحاجة إلى أنواع وسلالات شتّى من المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية تكون أكثر إنتاجية، وأفضل كفاءة في استخدام الموارد، وأكثر مرونة وتكيفًا في مُجابهة أي صدمات متعلقة بتغيٌر المناخ.

وفي هذا المقام أود  أن  انوه بالأبحاث التي تُجرَى في المنطقة العربية خاصة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بالسعودية والتي تتميز بأهمّية بالغة في هذا الصدد، لا سيّما من ناحية تركيزها على الزراعة التي تتسم بالكفاءة في استهلاك المياه بالمناطق القاحلة. نحتاج كذلك إلى تحسين علوم الزراعة، بشكل يتضمن تطوير أنظمة لزراعة المحاصيل وتربية الماشية من شأنها حماية التربة وتقليل استخدام المُدخلات الخارجية من الأسمدة ومبيدات الأعشاب والمبيدات الحشرية. كما يتعيّن علينا أيضًا ضخ مزيد من الاستثمارات بقطاع الزراعة في البلدان منخفضة الدخل، ما من شأنه تمكين المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة من إنتاج مزيد من الغذاء لأنفسهم وللأسواق المحلية، بل وحتى للأسواق الأكثر بُعدًا، بصورة مستدامة.

وسيكون لزامًا علينا كذلك تبنّي خيارات صعبة بشأن الطعام الذي نأكله إذا ما أردنا خلق نظام مُستدام عالميًا، إذ يستحيل على تعداد سكّان يبلغ عشرة مليارات نسمة استهلاك ما نتمتّع به حاليًا من نظم غذائية في البلدان مُرتفعة الدخل، فلا يوجد ما يكفي من الأراضي، كما ستكون العواقب البيئية لإنتاج هذا الكمّ الهائل من الغذاء كارثية.

 إضافة إلى ذلك، فالأنظمة الغذائية التي يتّبعها أصحاب الدخول المُرتفعة تُصيب البشرية بالأمراض. فمثلا تستشري في عالمنا المعاصر جائحة فرط الوزن والسمنة، إذ تنتشر أمراض النظم الغذائية ذات الصلة بالإفراط في الاستهلاك أكثر من مثيلاتها المرتبطة بنقص الاستهلاك. إننا بحاجة إلى تغيير عديد من جوانب نظامنا الغذائي، فعلى سبيل المثال، يسهم تقليل الكميات التي نتناولها من السُكّر والدهون في تحسين صحّتنا، في حين أن خفض استهلاكنا للحوم هو أفضل ما يمكننا فعله من أجل البيئة.

وأخيرًا، لا بدّ من تقليل هدر الطعام؛ فالتقديرات الموجودة بهذا الشأن متباينة، ولكن قرابة ثلث الأغذية المُنتجة لا تُؤكل مُطلقًا. ففي البلدان ذات الدخول المنخفضة، تتجسد المشكلات بالأساس في المزارع والسلسلة الغذائية. أمّا في البلدان مُرتفعة الدخل فيحدث الهدر في أقصى صوره بقطاعي المنازل والمطاعم. إننا بحاجة إلى حوافز اقتصادية لتقليل الهدر، كما أننا نحتاج إلى تغييرات على صعيد الأعراف الاجتماعية حتى يصير من غير المقبول التخلص من الطعام برميه بعيدًا.

ومع حلول نهاية القرن الحاليّ، من المرجح أن يكون عدد سكّان كوكبنا قد وصل إلى مرحلة من الثبات والاستقرار، بل وربما يبدأ في التناقص. من الممكن ساعتها إطعام مزيد من الناس دون تدمير الكوكب. لكن من أجل بلوغ هذا الهدف، علينا التحرك الآن وفورًا. لا بدّ من ضخ استثمارات أكبر في الأبحاث المتعلقة بالابتكارات التقنية للتكثيف المستدام. كما نحتاج كذلك إلى إرادة سياسية يمكنها أن تتخذ قرارات صعبة بشأن تغيّر المناخ والأنظمة الغذائية.

لقراءة الموضوع باللغة الإنجليزية, الرجاء الضغط هنا