Top

«كاوست»: تطويع البيانات الضخمة من أجل صحة أفضل للمنطقة

في السابق كان إعداد خريطة انتشار المرض يستغرق شهرين، أما الآن فيتم الأمر في غضون خمس دقائق.

بيانات ضخمة تتسم بالقوة والتنوع تعزز طرقاً جديدة لمكافحة انتشار الأمراض في المملكة العربية السعودية والشرق الاوسط.

في مواجهة التحديات الصحية المختلفة، يطرح علم الإحصاءات الجغرافية المكانية geospatial statistics - المعروف بسرعة تطوره - رؤىً جديدة، تتنوع من رصد النقاط الساخنة للخلايا السرطانية الى مشاكل تلوث الهواء، وانتشار فيروس كورونا (كوفيد-19). ومن المتوقع أن تؤتي الجهود المبذولة من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) ومؤسسات متخصصة في المملكة، بثمارها في سبيل فهم أفضل لأسباب الأمراض وكيفية مكافحتها من أجل تحسين الأحوال الصحية. هذه الامر لن يعود بالفائدة فقط على السعودية وانما على كل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،

علم جديد

تمخض عن علم الإحصاءات الجغرافية المكانية ومجال المراقبة الصحية بروز مجال علمي جديد يحمل اسم (GeoHealth)، والذي يجمع بين علوم الأرض والبيئة والصحة بهدف الإجابة على الأسئلة العلمية المهمة لصحة البشر وكوكبنا. بشكل عام، يمكن القول بان هذا العلم يسعى إلى فهم العلاقات بين الأشخاص، والمكان أو الموقع، والبيئة، والوقت، والصحة.

تدرس باولا موراغا الطرق الإحصائية المكانية لفهم أنماط الأمراض وعلاقتها بعوامل الخطر وتقييم التدخلات.

ويستخدم هذه المجال العلمي الصاعد، قواعد بيانات من مصادر متعددة بهدف إنشاء خرائط تتبع أمراض كل منطقة جغرافية، ومن ثَم يعمل تقديم المعلومات بهذه الطريقة الإحصائية على تمكين صُناع السياسات من معرفة أماكن الأمراض وكيفية انتشارها، وبالتالي يصبح لدى المختصين معرفة بأسباب المرض، والقدرة على توزيع الموارد بشكل أكثر فعالية.

وخلال العقد الماضي، ظهر تطوران أسهما في لفت الأنظار لمجال (GeoHealth) لوضعه في المقدمة. يكمن التطور الأول في البيانات الرقمية المستنبطة من عدد غير مسبوق من المصادر، من بينها السجلات الحكومية، وصور الأقمار الاصطناعية، والمسوحات الميدانية، بالإضافة إلى بيانات شبكة الإنترنت والهاتف، فيما يأتي التطور الآخر عبر حواسيب قوية قادرة على معالجة البيانات.

وعن هذه الجهود، توضح عالمة الإحصاء بـ «كاوست»، الدكتورة باولا موراغا، والتي تتولى قيادة الفريق البحثي:"إن الخوارزميات الأساسية المتضمنة تُعدّ حوسبةً مكثفة للغاية، ففي السابق كان إعداد خريطة انتشار المرض يستغرق شهرين، أما الآن فالمهمة تُنجز في غضون خمس دقائق." وأضافت: "لقد مكنتنا الحواسيب التي تتميز بالسرعة الفائقة من تطوير نماذج وأساليب جديدة".

وكانت موراغا قد استخدمت تقنيات (GeoHealth) قبل انضمامها لـ «كاوست» في عام 2020، بهدف تقييم فعالية طرق الوقاية من مرض الملاريا في ملاوي، وكذلك التوصل إلى أفضل طرق مكافحة داء "البريميات"، وهو مرض بكتيري ينتقل عبر الجرذان، وينتشر في الأحياء البرازيلية الفقيرة. كما قامت بتصميم أطلس السرطان الأسترالي، وهو عبارة عن خريطة تفاعلية عبر الإنترنت، تكشف بدقة عالية حجم التباين في عبء المرض في جميع أنحاء البلاد.

مكافحة السرطان وتلوث الهواء

علاوةً على ذلك، تعمل موراغا مع متخصصين في كلاً من«كاوست»، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز الأبحاث في الرياض، لإنشاء أطلس لمرض السرطان للملكة العربية السعودية. ورغم ان معدل الإصابة بالسرطان منخفض نسبياً في وسط فئة الشباب داخل المملكة، الا ان تشخيص المرض غالباً لا يتم إلا في مرحلة متأخرة، لذا فإن المعلومات المتوفرة حول "النقاط الساخنة" لانتشاره، والأنماط الأخرى، ستمد يد العون لعلماء الأوبئة.

كما تضطلع موراغا بمهمة أخرى تكمن في المساهمة في الحدّ من الآثار الصحية الناجمة عن تلوث الهواء من خلال تثبيت أجهزة تنقية الهواء في مساكن وقع عليها الاختيار. بعدها يقوم الفريق بفحص الحالة الصحية للمقيمين في هذه المساكن كل ثلاثة أشهر، ومن ثَم تتم مقارنتها مع المجموعات التجريبية، مثل الأشخاص الذين يعملون خارج المنزل، أو من لا يمتلكون أجهزة لتنقية الهواء داخل المنزل.

فيروس كورونا

يشار إلى أن عالمة الإحصاء باولا موراغا حصلت على منحة مقدمة من صندوق "ويلكم"، وهو مؤسسة خيرية عالمية لتمويل الأبحاث، وتحسين صحة الإنسان والحيوان، لكي يُتاح لها دراسة فيروس كورونا (كوفيد-19) في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويتمثل التحدي الرئيسي أمام هذا المشروع الطموح، في تصميم شبكة تكون مصدراً للبيانات الموحدة من جميع البلدان المعنية، وهو ما يتطلب تدريب الأطباء والمسؤولين المشاركين، على عملية تحديد وجمع معلومات معينة.

ومن المحتمل أن تشكل عملية جمع بيانات عالية الجودة 90 في المئة من جهود مجال (GeoHealth)، وهو ما تؤكده موراغا بقولها:" لديّ القدرة على تغذية النموذج الإحصائي من خلال استخدام البيانات، ولكن تكمن الصعوبة في عملية الحصول على البيانات نفسها".

ومع ذلك، فبمجرد بدء الدراسة والعمل على الشبكة التي تعتمد عليها، ستظهر الفوائد التي تعود على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما ستلعب «كاوست» دوراً رائداً في تحقيق منفعة عامة تهمّ العالم العربي بأكمله.

وتأمل موراغا أن يسهم عملها مستقبلاً في تعزيز ثقافة حفظ السجلات بشكل شامل، وفي هذا الصدد تقول: "يمكن تحديد جودة النموذج بناء على قدر البيانات التي يعتمد عليها". وتضيف: "بمجرد أن يرى الناس قيمة مثل هذه المعلومات، فإنهم سيولون أهمية أكبر لوضعها".