Top

من المختبر إلى التطبيق: كاوست تعزّز الأثر العملي لأبحاثها

تفتح الاكتشافات العلمية آفاقًا رحبة للمعرفة، ويمنحها التطبيق أثرًا يتجاوز حدود المختبر إلى حياة الإنسان. ولتعزيز هذه الصلة بين ما يتيحه العلم من إمكانات وما يحتاجه المجتمع من حلول، دأبت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) منذ تأسيسها على تعزيز قدراتها في تطوير الابتكارات الواعدة وتسريع تحويلها إلى تقنيات وتطبيقات عملية، لتصبح ثمار البحث العلمي جزءًا من واقع الحياة. 

وفي خطوة بارزة ضمن هذا التوجّه، استحدثت الجامعة فئة جديدة من أعضاء هيئة التدريس تُعنى بتحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية، بانضمام أربعة أساتذة، هم بيير براون، وماريو كاكامو، وباسكال شتاينر، وسكوت فرانكلين، مع توقّع تعيين المزيد. وتتميّز هذه النخبة المتميزة من هيئة التدريس بخبرات واسعة في تطوير التقنيات وتهيئتها للاستخدام الفعلي، مقارنة بالتعيينات الأكاديمية التقليدية التي تركز أساسًا على البحث والتعليم. 

وسيعمل هؤلاء الأساتذة جنبًا إلى جنب مع باحثي كاوست لتحديد الاكتشافات العلمية الواعدة، وتوظيف المستجدات العلمية والتقنية، وتجاوز العقبات التقنية، وتطوير الحلول والتحقق من فاعليتها، وتهيئة السبل لتبنّيها في الصناعة وطرحها تجاريًا. ويمثّل انضمامهم توسعًا ملموسًا في قدرة الجامعة على تحويل أبحاثها الأساسية إلى أثر عملي، بما يدعم أولوياتها المنبثقة من رسالتها في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية للمملكة والعالم. 

ويعمل أعضاء هيئة التدريس الجدد تحت مظلة مكتب نائب الرئيس الأول للأبحاث (SVPR)، حيث يعزّزون قدرات كاوست في البحث والابتكار، ويكمّلون ما تقدّمه الجامعة من دعم هندسي لتطوير التطبيقات البحثية ودعم للشراكات. كما يعملون عن كثب مع "مكتب تحويل الأبحاث" التابع له، دعمًا لجهوده الأوسع الرامية إلى تطوير التطبيقات العملية للأبحاث في مراحلها المبكرة، من خلال التمويل الموجّه والمشاركة المباشرة في تطوير التقنيات. 

وقالت الدكتورة حنان الشرقي، مدير عام تطوير الأبحاث في كاوست، إن أعضاء هيئة التدريس الجدد يعزّزون منظومة تهدف إلى ضمان إسهام أبحاث كاوست في تقدّم المعرفة، ووصول نتائجها إلى القطاعات الصناعية وصنّاع السياسات والمجتمعات التي يمكن أن تستفيد منها. ويدعم ذلك طموح المملكة إلى جعل البحث والابتكار محرّكين للتنويع الاقتصادي وإحداث أثر طويل الأمد. 

وأضافت "لا يُقاس نُضج منظومة الابتكار في الجامعة بجودة ما تقدّمه من علوم فحسب، بل بقدرتها أيضًا على تحويل هذه العلوم إلى تطبيقات عملية. وهذه هي القدرة التي نواصل بناءها في كاوست". 

منظومة لصناعة الأثر 

وضمن منظومة البحث والابتكار الأوسع في كاوست، يقود مكتب نائب الرئيس الأول للأبحاث المراحل الأولى من مسار تحويل الأبحاث إلى تطبيقات، فيحدّد الفرص الواعدة ويوفّر الموارد والخبرات اللازمة للانتقال بها إلى ما بعد المختبر.  

ويسهم التمويل المخصّص في تطوير التقنيات خلال مرحلتي إثبات المفهوم والتحقق من فاعليتها. ويوفّر الدعم الهندسي لتحويل الأبحاث الخبرات العملية اللازمة لتحسين النماذج الأولية، ومعالجة العقبات التقنية، وتقييم القدرة التنافسية في السوق، واختبار الأداء في ظروف مماثلة لبيئات الاستخدام، وتهيئة التقنيات للتطبيق.  

ومن ناحية أخرى، تسهم الشراكات في توجيه تطوير التقنيات لتلبية احتياجات الصناعة، وربطها بالمستخدمين المحتملين منذ المراحل المبكرة. ويساعد تكامل هذه الشراكات مع التمويل والدعم الهندسي في نقل نتائج الأبحاث الواعدة من المختبر إلى التطبيق العملي. 

وأوضحت الشرقي أنه مع نضج التقنيات واقترابها من الجاهزية للسوق، تتولى منظومة الابتكار في كاوست، ممثلةً في معهد التحول الوطني، دورًا قياديًا متزايدًا، فتقيّم الفرص التجارية، وتتواصل مع الجهات المُرخِّص لها والشركاء الصناعيين، وتحدّد أنسب مسارات الوصول إلى السوق، سواء عبر منح التراخيص، أو تبنّي التقنيات في الصناعة، أو تأسيس مشروعات ريادية، أو غير ذلك من آليات طرح التقنيات تجاريًا.  

نموذج للنجاح 

يبدأ هذا المسار بتحديد الأبحاث الواعدة، وتوفير التمويل والخبرات الهندسية اللازمة لتحويل نتائجها إلى نماذج أولية واختبار فاعليتها، بالتوازي مع ربطها باحتياجات الصناعة. ومن خلال هذا الدعم المتكامل، تتجاوز الأفكار مرحلة الإمكانات النظرية، وتتقدّم نحو حلول قابلة للاستخدام العملي. 

 ومن الأمثلة التي تجسّد هذا المسار مشروع تقوده كاوست، ويستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة على الحد من عدم اليقين في استكشاف المعادن بالمملكة. ويتولى البروفيسوران جورج تركية وديفيد كيز في كاوست قيادة المشروع، بالتعاون مع خبراء في التصوير الجيوفيزيائي بجامعة كولومبيا البريطانية في كندا، بهدف توظيف الذكاء الاصطناعي لفهم ما يكمن تحت سطح الدرع العربي الغني بالمعادن. 

وقد ساعدت منظومة دعم تحويل الأبحاث إلى تطبيقات في كاوست الباحثين على تطوير حل لإثبات المفهوم وتقليل المخاطر المرتبطة به، وتحويل نتائج البحث إلى نموذج أولي حاسوبي جاهز لبدء العمل عليه مع الشركاء الصناعيين. 

واستقطب المشروع اهتمام شركة التعدين العربية السعودية (معادن)، ما أثمر عقدًا لاحقًا للبحث والتطوير يمتد 30 شهرًا، وأتاح مسارًا لاختبار الحل وتطبيقه باستخدام بيانات جيولوجية سعودية فعلية. ويُظهر هذا المشروع كيف يمكن للتمويل الموجّه والدعم المتخصص في تحويل الأبحاث إلى تطبيقات أن يدفعا نتائج البحث نحو الاستخدام العملي لمعالجة تحدٍّ ذي أهمية استراتيجية للمملكة. 

أساتذة لتحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية 

ويمتلك أعضاء هيئة التدريس الجدد خبرات تشمل علم الوراثة وعلم الجينوم، وتقنيات الإنتاج الحيوي، وعلم الأحياء الحاسوبي والذكاء الاصطناعي، والعلوم التطبيقية والهندسة، وغيرها من المجالات. 

ومع توقّع تعيين المزيد من الأساتذة، تُكمّل خبراتهم في تحويل النتائج العلمية إلى حلول موثوقة وقابلة للتطبيق على نطاق واسع قدرات كاوست القائمة في هذا المجال، وستسهم في دفع الأبحاث قدمًا في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية للجامعة والمملكة. 

وقالت الشرقي "يمتلك هؤلاء الأساتذة القدرة على العمل عند نقاط الالتقاء بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي والجهات الحكومية. وهم يؤدّون دورًا محفّزًا داخل كاوست، ويساعدون على استثمار الفرص التطبيقية للأبحاث وبلورة توجهات جديدة تستند إلى ما تتمتع به الجامعة من نقاط قوة بحثية".