Top

تطوير أغشية متقدمة لخفض استهلاك الطاقة في عمليات تكرير النفط

في دراسة دولية نُشرت في مجلة ساينس (Science)، شارك باحثون من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في تطوير تقنية أغشية متقدمة قد تسهم في تقليل الطاقة اللازمة لتكرير الهيدروكربونات، بما يفتح آفاقًا جديدة لتحسين كفاءة عمليات التكرير والبتروكيماويات، وتعزيز استدامتها في المملكة والعالم. 

وتكتسب هذه التقنية أهميتها من حجم الطاقة الكبير الذي تستهلكه عمليات فصل النفط الخام إلى وقود وبتروكيماويات؛ إذ تُقدّر هذه العمليات بنحو نصف الطاقة المستخدمة في العمليات الصناعية داخل قطاعي الكيميائيات والبتروكيماويات. ومن هنا، تمثل الأغشية المتقدمة مسارًا واعدًا لتقليل الاعتماد على طرق الفصل الحراري التقليدية، مثل التقطير، التي تُعد من أكثر العمليات الصناعية استهلاكًا للطاقة. 

وقالت البروفيسورة سوزانا نونيس، أستاذة العلوم والهندسة الكيميائية والبيئية في كاوست، التي شارك مختبرها للأغشية البوليمرية النانوية مع المختبرات الأساسية في الجامعة في دعم هذا الجهد البحثي العالمي "تكمن فعالية هذا النهج في الحد من إنتاج ثاني أكسيد الكربون عبر الاستثمار في طرق فصل أكثر استدامة وأقل استهلاكًا للطاقة، مثل تقنيات الأغشية التي يمكن دمجها في العمليات الصناعية منذ مراحلها الأولى".  

وعالجت الدراسة تحديات جوهرية في المواد المستخدمة في تصنيع الأغشية، وهي تحديات قيّدت لسنوات إمكانية استخدام هذه التقنيات بديلًا أقل استهلاكًا للطاقة في تكرير النفط الخام. فقد طوّر الفريق البحثي أغشية ذات مسامات نانوية انتقائية، قادرة على تحقيق الفصل المطلوب مع مقاومة التمدد الذي يصيب عادةً بعض البوليمرات عند تعرضها للهيدروكربونات، وهو تحدٍ جوهري يؤثر في بنية المسامات ويضعف أداء الأغشية. 

ولا يقتصر الإنجاز على الأداء المختبري؛ إذ اعتمد الباحثون نهجًا يمكن تصنيعه على نطاق واسع ودمجه في وحدات قياسية مستخدمة بالفعل في الصناعة. وقد يساعد ذلك المصافي على خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية بصورة كبيرة، وتشغيل وحدات معالجة أصغر وأكثر مرونة، إلى جانب إزالة المركبات المحتوية على الكبريت في مراحل مبكرة من عملية التكرير. 

وقالت نونيس "تَمثّل دور مجموعتي في كاوست في هذه الورقة البحثية الجديدة في توصيف الأداء الخاص بتجزئة النفط الخام. لقد عملنا لسنوات على تصنيع الأغشية وتطويرها لتطبيقات في الصناعة الكيميائية، بما في ذلك تجزئة النفط الخام".  

كما ساهمت الأستاذة المساعدة في الكيمياء بكاوست، آنكي وانغ، في توصيف المواد المستخدمة في الدراسة. وتواصل نونيس وزملاؤها استكشاف مسارات مختلفة لتصنيع الأغشية، ودراسة كيفية دمجها في عمليات هجينة موجهة، تعمل جنبًا إلى جنب مع البنية التحتية القائمة في المصافي. 

اختبار التقنية باستخدام الخام العربي 

وقاد الدراسة البروفيسور أندرو ليفينغستون من جامعة كوين ماري في لندن، واختبر الفريق البحثي الأغشية باستخدام النفط العربي الخفيف جدًا. وقالت نونيس إن هذا الاختبار أتاح تقييم التقنية في ظروف واقعية، ومقارنة نتائجها بدراسات سابقة، مشيرة إلى أن تقنيات الأغشية تتيح فرصًا كبيرة لجعل عمليات الفصل الصناعية في المملكة أنظف، وأكثر كفاءة، وأقل استهلاكًا للطاقة. 

وأضافت "تمتلك المملكة العربية السعودية فرصة كبيرة، في ظل النمو السريع فيها لقطاعات البتروكيماويات والكيميائيات والصناعات الدوائية، لدمج تقنيات الأغشية في وحدات فصل أنظف وأكثر فاعلية".  

وتأتي الورقة البحثية الجديدة امتدادًا لسنوات من العمل في مجال أبحاث الأغشية، التي استكشفت مواد وأساليب تصنيع متعددة. وتركز الدراسة هذه المرة على البوليمرات ذات المسامية الدقيقة الجوهرية، وهي فئة من المواد عالية النفاذية التي قد تسهم في تحسين أداء الأغشية وتعزيز قابليتها للتصنيع على نطاق واسع في التطبيقات الصناعية. 

وتوضح نونيس أن تطوير أغشية فعالة لفصل النفط الخام يتطلب هندسة دقيقة على المستوى النانوي، تجمع بين اختيار المواد المناسبة، وتصميم بنية المسامات، وضمان الاستقرار في بيئات غنية بالهيدروكربونات. فبعض هذه المركبات يمكن أن يؤدي إلى تمدد المواد البوليمرية أو إذابتها، بما يغير خواص الأغشية ويحد من كفاءتها. 

ولا تقل قابلية التوسع أهمية عن الأداء؛ فحتى أكثر الأغشية كفاءة لن تجد طريقها إلى الاستخدام الصناعي ما لم يكن بالإمكان تصنيعها بكميات كبيرة تلبي احتياجات المنشآت البتروكيماوية، التي تعالج يوميًا كميات هائلة من الهيدروكربونات. وترى نونيس أن تقنيات الفصل المستدامة لا تسهم فقط في خفض الانبعاثات، بل تعزز أيضًا القدرة التنافسية للصناعة. 

وأكدت "إن تعزيز التعاون بين قطاع البتروكيماويات السعودي، ومنتجي الأغشية الناجحين، والعلماء ذوي الخبرة في هذا المجال، هو أفضل استراتيجية للابتكار وإدخال تقنيات فصل متفوقة".   

كاوست وتعزيز الابتكار في تقنيات الأغشية  

وترى نونيس أن تقنيات الأغشية لن تحل محل التقطير التقليدي بالكامل، إلا أن بمقدورها أن تحدث أثرًا كبيرًا عند دمجها في مراحل محددة من عمليات التكرير، حيث ترفع الكفاءة وتقلل استهلاك الطاقة والانبعاثات. وقد شكّل تطوير هذه التقنيات أحد محاور اهتمام باحثي الأغشية في كاوست منذ السنوات الأولى لتأسيس الجامعة. 

وأضافت "يتوافق موضوع هذه الورقة البحثية، إلى جانب تطورات مماثلة أخرى نعمل عليها، توافقًا كاملًا مع الأهداف القائمة على رؤية السعودية 2030. وإلى جانب تكرير النفط، تستهدف تطوراتنا في مجال الأغشية عمليات الفصل الدوائية في المذيبات العضوية".   

ويمتد أثر أبحاث الأغشية في كاوست إلى ما هو أبعد من قطاع النفط والبتروكيماويات، ليشمل قطاع المياه عبر تطبيقات في تحلية المياه، وإعادة استخدامها، وتنقيتها. وفي هذا السياق، يقود فريق BioH2O في كاوست جهودًا لتطوير تقنيات تحلية متقدمة قادرة على إنتاج المياه العذبة من مياه البحر باستهلاك أقل للطاقة وقابلية أكبر للتوسع مقارنة بالتقنيات الحالية، وهو أحد 17 فريقًا فقط بلغوا الدور نصف النهائي في مسار المواد والطرق الجديدة ضمن مسابقة XPRIZE Water Scarcity الجارية.  

وقالت نونيس "تضم كاوست علماء أغشية يتمتعون بسمعة دولية رفيعة، ولديهم إنجازات كبيرة على مستوى العالم في هذا المجال حتى قبل انضمامهم إلى كاوست. وتكتسب الأغشية أهمية كبيرة عبر طيف واسع من أولويات التنمية التي تحظى باهتمام المملكة".  

وأضافت أن الجهود التعاونية الدولية، مثل هذه الدراسة المنشورة حديثًا، تتيح للباحثين تحديد التحديات المشتركة، وتوحيد الخبرات، ودفع العلوم قدمًا لخدمة المملكة والعالم.